حلم المهرجان
حللتم أهلا و نزلتم سهلا في الموقع الرسمي للمهرجان الدولي للشعر والزجل ، بتسجيلكم في الموقع تصبحون تلقائيا أعضاءا في "فضاء الشعراء" أكبر فضاء عربي يضم شعراء العالم . الرجاء اختيار رقم سري مكون من الأرقام والحروف حتى يصعب تقليده .
حلم المهرجان
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


منتدى ثقافي فني إعلامي شامل((((((((( مدير و مهندس المنتدى : حسن الخباز ))))))))))
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
لنشر اخباركم ومقالاتكم تسجلوا في المنتدى أو تواصلوا معنا عبر الواتساب +212661609109 أو زوروا موقعنا الالكتروني الرسمي
eljareedah.com
لنشر اخباركم ومقالاتكم تسجلوا في المنتدى أو تواصلوا معنا عبر الواتساب +212661609109 أو زوروا موقعنا الالكتروني الرسمي
eljareedah.com
لنشر اخباركم ومقالاتكم تسجلوا في المنتدى أو تواصلوا معنا عبر الواتساب +212661609109 أو زوروا موقعنا الالكتروني الرسمي
eljareedah.com

 

 الحضور المخزني في المجتمع المغربي : القايد.. الشيخ .. المقدم

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
منتدى حلم المهرجان
Admin


عدد المساهمات : 3460
تاريخ التسجيل : 20/07/2010

الحضور المخزني في المجتمع المغربي : القايد.. الشيخ .. المقدم Empty
مُساهمةموضوع: الحضور المخزني في المجتمع المغربي : القايد.. الشيخ .. المقدم   الحضور المخزني في المجتمع المغربي : القايد.. الشيخ .. المقدم I_icon_minitimeالسبت 15 يناير - 13:05:07

   

عبد الرحيم العطري  


سلطة المخزن أم سلطة السلطة؟ الداعي إلى طرح هكذا سؤال مرتبط أساسا بالتعاريف التي تقترحها علينا مختلف الدراسات السوسيولوجية والتاريخية التي انشغلت بالمخزن، والتي تؤكد في البدء على أنه سلطة مجسدة لنظام معين.
إذن ما الذي نصبو إلى مجابهته آنا؟ هل سلطة المخزن أم سلطة السلطة؟ فما هي بالضبط حقيقة هذه السلطة المخزنية/سلطة السلطة؟ وما هي حدودها ومحدداتها؟ وكيف تلوح في هذا المجتمع؟ وما هي هويتها ومرتكزاتها؟ وماذا عن ممارستها في فضاء يؤطره الهاجس الأمني؟
إنها جملة من الأسئلة التي تمتلك بعضا أو كلا من الوجاهة, قبالة نظام مخزني يعمل جاهدا على تدعيم سلطاته، وممارستها كليا من غير انتقاص. هي أسئلة لا تنتظر إجابات شافية، بقدر ما تهدف إلى توسيع النقاش تحديدا حول حدود وأبعاد السلطة المخزنية بالمغرب.
تحتل السلطة مكانة هامة ضمن دائرة الانشغال السوسيولوجي، وذلك بسبب ما تنفتح عليه، كموضوع “ثري” من قضايا تهم المجتمع كله، فالسلطة ظاهرة مجتمعية بالأساس، تعبر عن مسار إنساني من التفاعل والصراع الاجتماعي، الذي وصل في نهايته أو ربما في بدايته، إلى تحديد للمسؤوليات، وتوزيع قصدي أو اعتباطي للسلطات.
إن سلطة المخزن تخترق المجتمع كليا، وتمارس عليه جميع أشكال الاحتواء اعتمادا على القوة المجسدة لهذه السلطة، ذلك أن “حقل السلطة هو حقل قوى محدد في بنيته بحالة علاقة قوة بين أشكال من السلطة أو أنواع مختلفة من الرأسمال، وهو كذلك غير قابل للفصل، إنه حقل صراعات من أجل السلطة بين مالكي سلطات متباينة”(1).
وهكذا لما نستعير مفهوم الحقل البورديوي، ونطبقه على السلطة المخزنية يتراءى لنا هذا الحقل مفتوحا على كافة الاحتمالات، ومؤهلا لاحتضان كل حالات السواء والخلل الاجتماعي أيضا. فسلطة المخزن وبفضل ما تتوفر عليه من آليات مؤسساتية، وبفضل ما تستثمره من علاقات مع الهياكل المجتمعية الأخرى، وما توظفه من دعائم إيديولوجية، تسجل حضورها بشكل مكثف على مستوى الترابطات والتقاطعات الاجتماعية، لتصير في النهاية سلطة فوق السلط، توجه وتنمط وتدجن وفق معطيات القائم من الأوضاع، وخدمة لما يرتضيه الذين يستفيدون فعلا من هذه السلطة. وهي بذلك تتبوأ مرتبة أولى في نظام السلطة بالمغرب. هذا النظام الذي يتكون إجمالا من ثلاث أنظمة متداخلة هي:
• السلطة المخزنية: أو سلطة السلط، والجزء الأكبر منها غير ظاهر، ويعمل خارج مجال الدستور والقانون.
• الإدارة والحكومة: أي التقنوبيروقراطية، وتتوفر على حد أدنى من الشفافية، ويعتبر البرلمان أحد توابعها، لكنها مع ذلك تظل محكومة بالسلطة المخزنية.
• السلطة الاقتصادية: وقد تصاعدت أهميتها في السنوات الأخيرة، وارتبطت بالاحتكارات والسوق السوداء، والمخدرات والرشوة، وتتحرك في الكثير من الأحيان تحت حماية السلطة(2).
فسلطة المخزن تظل فوق كل السلط الأخرى نظريا وعمليا، فهي في إطار التمثلات الاجتماعية تبدو مالكة للقوة والتوجيه، من الناحية النظرية، كما أنها تصر على اختراق كل البنيات والتدخل فيها عمليا، عبر مشاريع مخزنة المجتمع وفرملته عند حدود مخزنية واضحة.
لقد حاول المخزن دائما أن يحافظ على سلطته، وأن يزيد من حجم تدخلها واختراقها في كافة تضاريس المجتمع، فمنذ البدء المخزني كان هناك اشتغال حي من أجل تدعيم هذه السلطة وتوسيع إمكانيات تنفيذها وإعمالها: بل إن عملية استخلاص الضرائب التي اختص بها المخزن، والتي حددت علاقته مع القبائل اندرجت بدورها في سياق هذا المشروع السلطوي، وقد بين ابن خلدون في الشرح الذي قام به لجدلية فرض الضريبة – نمو الدولة- النشاط الاقتصادي، كيف تتحول السلطة إلى إطار يكيف النشاط الاقتصادي(3)، ويدعم المشروع السلطوي ذاته، إلا أن تدعيم هذه السلطة المخزنية لم يتوقف على عمليات جمع الضرائب التي كان يتم خلالها اللجوء كثيرا إلى استعراض عضلات القوة. بل أنه يتحدد بواسطة ممارسات مخزنية أخرى تؤسس لخصوصيتها في السياق الاجتماعي. وهو ما يطرح مرة أخرى سؤال حقيقة المخزن وتفسير “وظائفه” و “تنظيمه” وشكله الخاص وخصوصية محتواه المؤسسي(4).
“إن المخزن في الذاكرة الجمعية المغربية هو قبل كل شيء قوة Une force ، فالمخزن يفيد السلطة”(5)، ولذلك تسير ممارساته في المسار الذي يزكي السلطة كوظيفة اجتماعية شاملة لا تتجسد في مصدر أو مجال معين(6). ولهذا ينعدم مبدأ الاختصاص لدى سلطة المخزن ويصير اجتياح كل المجالات المجتمعية أمرا مبررا بل مفروضا. حيث يغدو مبدأ الفصل بين السلطات الذي يؤكد الخيار الديمقراطي غير ذي أهمية، في المشروع المخزني، فالمخزن القوي هو مخزن لا مكان فيه لفصل السلطات(7).
إذن بالإضافة إلى تحصيل الضرائب، أو بالأحرى عملية استعراض عضلات القوة المخزنية، هناك ممارسات الاحتواء والاختراق الكلي التي يراهن عليها المخزن في مجابهته للمجتمع، تجعل منه في النهاية سلطة فوق السلط، تكرسها التمثلات الاجتماعية، وأنماط التنشئة والتدجين الاجتماعي.
لكن حيازة هذه السلطة العليا، هي بالأساس ثمرة مشروع مخزني استطاع القضاء على بلاد السيبة، وبالتالي يكون قد عمل على مأسسة العنف، فاحتكار العنف يعني أصلا احتكارا للسلطة(8).
إن كرونولوجيا المخزن المغربي تعضد كثيرا من هذا الرأي، ففي كافة المراحل التي مر بها، نجد تركيزا مخزنيا على الانتشار والامتداد في المجتمع، عبر الهيمنة والعنف والرضى أيضا، “لأن كل سلطة هي في واقع الأمر في حاجة إلى عنصرين متفاعلين: العنف والرضى، والقوة الأقوى ليست هي العنف المسيطرين، بل رضى المسيطر عليهم”(9)، وثنائية العنف والرضى هاته، هي التي ساهمت في تقوية الحضور المكثف للمخزن في المغرب، لكن هل هذه الثنائية هي الأساس المركزي لاستراتيجية المخزنة؟ وهل تعد بالإضافة إلى الممارسات المخزنية الأخرى آليات حقيقية لتدعيم سلطة المخزن وللامتداد في المجتمع؟ وهل هذا المشروع المخزني هو بالضبط الذي يؤطر التمثلات الاجتماعية للمخزن كقوة قهرية؟
وبحثا عن إجابات محتملة لأسئلة المخزن في المجتمع المغربي، يجدر بنا أن نسائل مؤسسة مخزنية تعد أكثر تجسيدا لمفهوم المخزن/القوة/سلطة السلطة، وأن نتجه بأكثر الأسئلة حرقة لمؤسسة القايد… الشيخ… المقدم*، والتي تشير دلاليا وعمليا بل وتاريخيا إلى المخزن في صورته السلطوية، فكيف يشتغل هذا الثلاثي/الواحد؟ وكيف يؤسس حضوره المخزني عبر تفاصيل المجتمع؟ وأية “وظيفة” يمارسها كل من القايد والشيخ والمقدم كمؤسسة مخزنية؟ ولصالح من؟ وعلى حساب من؟
إن التصدي للنظام القايدي وملحقاته في إطار الانشغال السوسيولوجي، من أجل مقاربة اختراقه للمجتمع، تأكيدا لمشروع المخزنة وامتدادا له، يفترض بحثا في نشأته. وهذا ما يضعنا بالتبعية قبالة سؤال إشكالي يتعلق بأسباب هذه النشأة وإرهاصاتها الأولية، فهل النظام القايدي نظام سلطوي محلي الصنع؟ أم أنه نموذج استعماري يعتبر نسخة رديئة أو جيدة للنظام الفيودالي؟ أم ماذا؟
إن علاقات المد والجزر التي كانت تربط المخزن بالقبائل تعد مسؤولة إلى حد ما عن بروز كثير من الظواهر والحالات المجتمعية، ففي ظل هذه العلاقات تنبثق تضامنات مصالحية، وتظهر زعامات جديدة، وتتأسس علاقات جديدة أيضا.
وبما أن النظام القائدي يتمأسس على زعامة أو رئاسة متجذرة، فقد عمل المخزن في المناطق التي كان فيها على اتصال مع القبائل شبه المستقلة، على تعميم ظاهرة تقوية الرئاسة على شكل قايدية(10). فالنظام القايدي لا يمكن أن يوجد إلا في حضن قبيلة مستقلة نسبيا تعين بنفسها رؤساءها، وتختار ممثلا عن أسرة قوية ليتسلم قيادتها(11). وهذا ما راهن عليه المخزن بالفعل، فالمخزن محتاج إلى من يحصل له الضرائب من القبائل، ولهذا فهو محتاج إلى من يمثله في أعماق هذه القبائل، ومن يضمن له جني هذه الضرائب. وبالطبع فرؤساء القبائل مؤهلون أكثر من غيرهم إلى القيام بهذه المهمة، ولاحتلال الموقع القايدي الذي يجسد الامتداد المخزني. ويتيح للقايد فرض التسلط والاغتناء، وبهذه الطريقة يصبح القايد ممثلا للجهاز المخزني ومنخرطا في منظومته ومكرسا لسلطته في حدوده الترابية التي تتوسع وتتقلص حسب الحروب والمنافسات المستمرة مع باقي القياد الآخرين الذين يطمعون أيضا في كسب رضى المخزن بواسطة تطويع المزيد من الأراضي.
وبما أن القايد كان يعي جيدا بأن رضى المخزن عنه يرتبط بمدى تحصيله لأكبر قدر ممكن من الضرائب التي يأخذ عنها نسبة مائوية، فقد كان لا يتورع هو وملحقاته عن إرغام الناس على أدائها بأساليب العنف والإكراه، التي تعبر عن سلطوية مطلقة تستمد “شرعيتها” من المخزن المركزي، فهذا الأخير هو الذي دعم سلطة القياد، وساهم في توسيع صلاحياتها، إلى الدرجة التي أصبح فيها كل قايد، وكل تابع له يتوفر على قدر كبير من النفوذ في النظام القايدي، ويستفيد من الامتيازات كل حسب إمكانياته(12).
وهذا الاهتمام بالمؤسسة القايدية ستتواصل آثاره في عهد الاستعمار، حيث لم تعمد الإدارة الاستعمارية، إلى إلغاء نظام القياد، بل عملت على تقويته، والدفع به في الاتجاه الذي يخدم مصالحها الامبريالية، وهو ما ساهم فعلا في تكريس سلطة القياد، بحيث التمعت أسماء الكثيرين من القياد** الذين ساهموا في خلخلة المسار التاريخي لمناطق نفوذهم، “فالحماية لم تعد للقضاء على النموذج المخزني، بل على العكس من ذلك عملت على توسيع وتعميم سلطته لمجموع التراب”.
وبعد الاستقلال لم تتغير وظيفة القايد وملحقاته، ولم تعلن وفاة الفعل المخزني، واستمر مسلسل تقوية مناعته ضد التغيير باستعماله للموارد المؤسسية، بل إن التغيير الوحيد الذي يمكن تسجيله في هذا الباب، هو التكوين المعرفي الذي أصبح يتسلح به القياد الجدد الذين “تلفظهم” مدرسة استكمال تكوين الأطر بالقنيطرة***, وبذلك فهؤلاء القياد سيصبحون لأول مرة بعد الاستقلال يتقاضون أجرة… بدلا من النسبة المائوية التي كانوا يحصلون عليها من الضرائب المجبية لصالح المخزن أو الاستعمار،… سيصبحون موظفين تابعين للدولة المركزية، ولوزارة الداخلية بخاصة(13) وبنفس الوقت عمدت السلطة إلى تحسين الوضعية المادية لرجال السلطة وتخصيصهم بالحماية والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية(14) وهو ما عبد الطريق أمام الظاهرة القايدية نحو المأسسة بامتياز، ونحو التجذر في عمق المجتمع المغربي، على الخط الذي رسمه لها المخزن والاستعمار، ولكن بأشكال مؤسسية جديدة.
لكن بعد كل هذا الذي أثرناه حول القايدية، ما الذي يمكن قوله بخصوص نشأتها؟ هل نساير روبير مونطاني، ونقول معه بأن الحالة السياسية في جنوب المغرب – يقصد القياد – ليست سوى مسودة فظة للإقطاع الأوربي(15)؟ أم ننتهي إلى القول بأن الظاهرة القايدية “محلية الإنتاج”، ترعرعت في أحضان القبيلة انطلاقا من الزعامات والعلاقات المخزنية/القبلية؟
وجوابا على كل ذلك يقترح علينا باسكون، بعد تفكيكه للظاهرة القايدية من خلال نموذج الكلاوي، أنه على مستوى العمق يعتبر الاستعمار مسؤولا عن تعميق وعن عملية تأسيس النظام القايدي، وعلى مستوى الشكل، فقد زودت الإدارة الاستعمارية النظام القايدي بقانون أساسي وإطار قانوني، وبذلك تكون القايدية نتاجا تاريخيا لفترات كبرى ساهم المخزن إلى جانب الاستعمار ورياح الاستقلال أيضا في بلورتها، على الشكل الذي توجد عليه حاليا، دون أن ندعي بأن ارتباطها من حيث النشأة حكر على فترة دون غيرها.
إن الحديث عن مؤسسة القايد لا يكتمل إلا بالانفتاح على ملحقاتها، وبالضبط على الشيخ والمقدم كعنصرين فاعلين يؤسسان حلقة قوية في المسلسل المخزني العام، فالقايد سواء في عهد الحماية أو ما قبلها، ما كان له أن يمارس اختصاصاته ويحافظ على مكانته بدون الاستعانة بجهاز “تابعي”، يأتي في مقدمته الشيوخ والمقدمون الذين يمثلون المخزن تمثيلا خاصا، بل إن قياد اليوم في وزارة الداخلية ما زالوا يعتمدون على هؤلاء “التابعين”**** الذين يحتلون آخر الدرجات في هذه الوزارة، ويساهمون بقوة في مشروع المخزنة الذي يخترق المجتمع من أقصاه إلى أقصاه.
إن وظيفة الشيخ والمقدم أساسية في هذا المشروع، فهي ضرورة قصوى بالنسبة للقايد وللمخزن عموما، فعن طريقهما يحدث الامتداد في المجتمع، ويتأكد الحضور المخزني على كافة الأصعدة. لكن ما هي ملامح هذه الوظيفة/الوظائف التي يضطلع بها الشيوخ والمقدمون؟ وما هي مسوغات حضورهم في المشهد الحزبي؟
لقد شكل الشيوخ والمقدمون دوما الدرجات الدنيا في سلطة المخزن، فحتى في فترة ما قبل الاستعمار، كانوا يحتلون المكانة ذاتها، ويقومون بوظائف شتى, تصب كلها في هدفية واحدة، تخدم استراتيجية التغلغل المخزني، الذي ينتهي عادة بإجبار السكان على أداء الضرائب التي كانت تصلهم منها نسبة مائوية ضئيلة، بعد أن يخصم القايد نسبته من المجموع المحصل لفائدة المخزن المركزي.
وإبان الحماية حافظت الإقامة العامة على المقدمين والشيوخ الذين ساهموا في ترسيخ الاستعمار، وتدعيم ركائزه بين أوساط السكان. وبعد الاستقلال سنلاحظ بروز نظام هرمي، يتصور السلطة بصفة هرمية، سيشكل داخله الشيوخ والمقدمون، مرة أخرى الدرجـات الدنيا(16)، وسيحافظ مجددا هؤلاء “الملحقون” بمؤسسة القياد على أدوارهم التقليدية التي توطد المخزنية في المجتمع المغربي.
فعلى رأس كل ثلاثة أو أربعة دواوير نجد المقدم الذي يتم تعيينه من طرف القايد، وعلى رأس كل ثلاثة مقدمين نجد الشيخ ثم الخليفة الذي يعمل كنائب للقايد. إن كل هؤلاء باستثناء القايد الذي يعتبر أجنبيا عن المنطقة، ينتمون إلى نفس المكان، ولهم علاقة بالسكان، فالمقدمون يتم اختيارهم من بين العناصر الأكثر حركية، التي كانت موالية، وتعمل لصالح رجال السلطة، وهم في الغالب يشتغلون بالفلاحة – في العالم القروي- وليس مطلوبا فيهم أية كفاءة خاصة غير الطاعة وتنفيذ أوامر رؤسائهم(17).
وعلى العموم فالمقدم يتحمل مسؤولية النظام والضبط والأمن والتجانس ويعرف جيدا كل أسرة على حدى، ويتوفر على سلطة مهمة، خصوصا في الوسط القروي(18) فأي جهاز مخزني هذا الذي ينبني في أساسه على من لا يشترط فيه الكفاءة، بقدر ما يشترط فيه الولاء والطاعة العمياء؟ وأية مردودية مرجوة من أفراد “يعملون” في ظل ظروف غير عادية ومسيجة بأجواء مكهربة؟
إن الوظيفة المركزية التي يقوم بها المقدم والتي يجب عليه تأديتها على الوجه الأكمل تتحدد في التبليغ، وتمرير فحوى القرارات الفوقية إلى السكان، فعن طريق هذه الوظيفة يؤسس المقدم لدوره وسلطته، التي تتكرس ارتباطا بوظيفة ثانية يتحمل مسؤوليتها، وهي بالضبط وظيفة الاستخبار، فأجهزة الشيوخ والمقدمين تلعب دورا أساسيا في مراقبة السكان، وفي جمع المعلومات، وفضلا عن ذلك تناط بهذه الأجهزة مهمة المراقبة وعملية جمع الضرائب وتنفيذ بعض القرارات الحكومية(19).
نحن إذن أمام مؤسسة مخزنية قائمة بذاتها تمثل المخزن تمثيلا خاصا وتسدي له خدمات أساسية تسير في الاتجاه الاحتوائي الذي يصبو إليه المخزن دوما في مواجهته لأفراد المجتمع.
فما الذي يمكن الانتهاء عنده بعد معاقرة هذا الحضور المخزني القوي في المجتمع المغربي؟ وما الذي يمكن الخروج به من خلاصات وأفكار بصدد كل هذا السالف ذكره؟
إن كان هناك من درس يستفاد من خلال هذا الانفتاح على المخزن ومؤسساته، وعبر محطاته التاريخية الكبرى، فهو اتجاهه نحو المؤسساتية، واعتناقه الدائم للتقليدية, كيف ذلك؟
فالمخزن يسعى إلى مأسسة عمله، وإلى إضفاء الشرعية والمشروعية على جل ما يقوم به، بهدف الامتداد والتجذر في أعماق المجتمع. لكنه في الآن ذاته لم يقطع مع ممارساته التقليدية، “فلا يعني قبول الدولة بالتعامل مع الشكل الحداثي، أن كل ما تنتجه من ثقافة شكلية ومراسيمية ينضبط للخلفية الحداثية”(20).
فالتغيير الذي يلوح في ممارسات السلطة المخزنية لا يعدو أن يكون إلا تغييرا ظاهريا ومناسباتيا في مطلق الأحوال، ذلك أن التوجه المخزني التقليدي الهادف دوما إلى الاحتواء والضبط والقهر هو ما يتم الاتكاء عليه. فالمخزن مستمر في الانغراس والامتداد، ومصر بآلياته ومؤسساته على اختراق كل الهيئات والوظائف والفعاليات المجتمعية، واستثمار كافة الإمكانيات والسلط الرمزية، سعيا وراء المخزنة الشاملة، وهذا ما يجرنا بالتأكيد إلى طرح سؤال آخر: أو ليس مخزن اليوم مجرد طبعة مزيدة و منقحة لمخزن الأمس؟

الهوامش
(1) بيير بورديو، أسئلة علم الاجتماع الانعكاسي، ترجمة عبد الجليل الكور، دار توبقال، 1997، ص 50.
(2) محمد جسوس، النظام المخزني وضرورة الدمقرطة والتحديث، مرجع سابق.
(3) عبد الله ساعف، تصورات عن “السياسي” بالمغرب، ترجمة محمد معتصم، دار الكلام، 1990 ص 69.
(4) عبد الله ساعف، نفس المرجع السابق، ص 71.
(5) محمد ضريف، النسق السياسي المغربي المعاصر، إفريقيا الشرق، 1991، ص 68.
(6) محمد جسوس، المثقف العربي: دوره وعلاقته بالسلطة والمجتمع، المجلس القومي للثقافة العربية، سلسلة الندوات 1، مطبعة المعارف، الرباط، 1985، ص 58.
(7) محمد ضريف، مرجع سابق، ص 69.
(8) نفس ^المرجع، ص 151.
(9) محمد ضريف، مرجع سابق، ص 176.
* لقد اتخذنا مؤسسة القايد… الشيخ- المقدم كنموذج على سبيل المثال لا الحصر، أولا لكونها الأكثر تعبيرا عن صورة المخزن، وثانيا لأن الأفراد أكثر تعاملا معها، فضلا عن دورها التاريخي في بلورة المشروع المخزني.
(10) بول باسكون، الفترات الكبرى للقايدية، تعريب زبيدة بورحيل، م م اق اج، العدد 5 و 6 ، 1981، ص 71.
(11) نفس المرجع، ص 70.
(12) بول باسكون، نفس المرجع، ص 107.
** من بين هؤلاء القياد: السي عيسى بمنطقة عبدة، العيادي بالرحامنة، الكلاوي بالحوز، وقد راكم هذا الأخير ثروة هائلة يقول عنها بول باسكون : فعند تنفيذ الحجز سنة 1958 كان مجموع الملكيات القروية المسجلة في الحوز وحدة يغطي مساحة تبلغ 11400 هكتار مسقية وأسرة الكلاوي تملك أكثر من 16000 هكتار في الحوز. وقد قدرت مساهماته في الأعمال الصناعية بمليارين من الفرنكات سنة 1956… وقد حكم مباشرة أو بواسطة أبنائه طيلة 44 سنة عددا من السكان يفوق المليون نسمة إلى حدود سنة 1955
انظر : بول باسكون، نفس المرجع، ص 72-73.
*** أحدثت هذه المدرسة سنة 1965 على يد الجنرال أوفقير!! وهي تقبل الحاصلين على الإجازة بعد اجتياز مباراة، لشغل مناصب بالسلطة بعد تكوين إداري يدوم سنتين، ويخضع فيه المتدربون لنظام عسكري حيث يتم إدماجهم مباشرة بعد التخرج ضمن أطر وزارة الداخلية ويعينون في الإدارة الترابية… وإلى حدود سنة 1988 تخرج من هذه المدرسة حوالي 700 قائد.
انظر Alain claisse, le Makhzan Aujourd’hui, Idid, p 293
(13) محمد جسوس، المقدم والشيخ وجهان للسلطة، الاتحاد الاشتراكي، 24 دجنبر 1994.
(14) محمد سبيلا، المغرب في مواجهة الحداثة، مرجع سابق، ص 76.
(15) Robert Montagne, les berbers et le Makhzan, Ibid, p 362.
**** كان بودنا أن نسميهم موظفين، ولكن بالنظر إلى وضعيتهم الإدارية، فإنه يصعب علينا أن نطلق عليهم ذلك، ولهذا فضلنا نعتهم بالتابعين والملحقات. لأنهم فعلا يشكلون جهازا تابعا لمؤسسة القايد.
نشير أيضا أن الفصل 33 من ظهير فاتح مارس 1963 الخاص بمتصرفي وزارة الداخلية، بين أن النظام الخاص بالخلفاء والشيوخ، وكذا النظام المتعلق برتبهم الاستدلالية سيتم تحديدهما بمقتضى مرسوم، ولكنه لحد الآن لم يصدر أي نص يحسم الوضعية الإدارية لهذا الجهاز التابعي.
وفي كتاب له بعنوان “الإدارة الترابية” يرسم إدريس البصري وزير الداخلية السابق، صورة واضحة لاختصاصات أعوان وزارته من الشيوخ والمقدمين، حيث يقول “يمثل الشيوخ والمقدمون إحدى ركائز السلطة المحلية، وفي غياب قانون خاص بهذه الفئة، فإن أعوان السلطة بالمجال الحضري، ليس لهم من اختصاص محدد. إلا أن دور الإخبار ونقل المعلومات من طرفهم يعتبر أساسيا، وبالمجال القروي فإن أعوان السلطة لهم دراية كافية بمشاكل وانشغالات التجمعات السكانية والقبائل، وتسمح لهم وضعيتهم بإعطاء نصائح لممثلي السلطة المركزية، حول كل مبادرة أو مسألة تهم الشأن العام أو المصالح الخاصة للمواطنين، وبالرغم من دورهم الرئيسي في الحياة الإدارية، فإنهم غير مشمولين بقانون خاص عكس الحال مقارنة مع رجال السلطة، اللهم بعض التدابير المتفرقة، والتي لا أثر لها على استقرار وظيفتهم، ويتولى العامل توظيف الشيخ والمقدم بالوسط القروي، كما يتولى الإشراف عليهم، ولا يعتبرون موظفين، وبالتالي لا يتقاضون سوى تعويضات شهرية” أما بخصوص أعدادهم فيشير إدريس البصري إلى أنه في سنة 1971 بلغ عددهم بالوسط القروي 10.617 فردا، وفي عام 1986 وصل إلى 13.222 كانوا موزعين على 760 جماعة قروية أو بمعدل 17 عونا لكل جماعة وعون سلطة لكل 1400 نسمة، أما بالوسط الحضري، فكان عدد الشيوخ والمقدمين يصل إلى 1016 فردا في عام 1971 ليصل في 86 إلى 1790 عون سلطة موزعين على 59 بلدية و40 مركزا مستقلا أي ما يمثل 20 عونا لكل مركز حضري.
انظر : ادريس البصري، الإدارة الترابية، التجربة المغربية، باريس، 1990، ص 280-287.
(16) محمد جسوس، المقدم، الشيخ وجهان للسلطة بالمغرب، مرجع سابق.
(17) Alain claisse, le Makhzan Aujourd’hui, Ibid, p 295.
(18) Idid, p 295.
(19) محمد جسوس مرجع سابق.
(20) محمد الساسي، تفاصيل سياسية، مرجع سابق، ص 29.
:عبد الرحيم العطري

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://festival.7olm.org
 
الحضور المخزني في المجتمع المغربي : القايد.. الشيخ .. المقدم
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حلم المهرجان :: خط أحمر :: خط أحمر-
انتقل الى: